عبد الكريم الخطيب

476

التفسير القرآنى للقرآن

وحين يرى المشركون هذه الحال ، التي لبست المسلمين من الرضا والطمأنينة ، يتساءلون فيما بينهم . ما ذا جرى ؟ وأي شئ بدّل حال المسلمين ، فأصبحوا على غير ما أمسوا عليه ؟ وتجيئهم الأنباء ، بأن « محمدا » تحدث إليهم بما اعتاد أن يلقاهم به من حديث يقول إنه تلقاه من ربه ، وأن ما حدثهم به اليوم ، هو أن الروم وإن غلبوا في تلك المعركة التي دارت بينهم وبين الفرس منذ قليل ، فإنهم سيغلبون ، وأن ذلك سيكون بعد بضع سنين ! ! . أهكذا الأمر إذن ؟ وألهذا كانت تلك الفرحة التي تعلو وجوه المسلمين ؟ ألا ما أخف أحلامهم ، وما أضل عقولهم ؟ ! ألمثل هذا الكلام ينخدعون ؟ وعلى مثل هذا الكلام يبنون قصورا من الأماني والآمال ؟ ألا يزالون على ضلالهم القديم ، ينخدعون بما يحدثهم محمد به ، من أحاديث لا تعدو أن تكون وعودا معلقة بالمستقبل البعيد أو القريب ، لا يمسك المرء منها بشيء ، في يومه أو غده ؟ فأين البعث ؟ وأين الحساب ؟ وأين الجنة والنار ؟ لقد أكثر محمد من تلك الأحاديث إلينا ، وصدّع بها رؤوسنا ، وما نرى لذلك ظلا ، وما نشهد له أثرا ! ثم ها هي ذي تبلغ الجرأة بمحمد ، فينتقل من الرجم بالغيب في أحشاء الزمن البعيد ، المضاف إلى ما بعد موت الناس جميعا ، إلى أن يرجم بالغيب في واقع حياتنا ، مما لا يجاوز مداه بضع سنين ؟ إنها عثرة قائلة ، ولن نقيل « محمدا » منها . . فهيا أمسكوا به ، متلبسا بهذا الكذب المفضوح ، واضربوه الضربة القاضية ، وقد سنحت لكم الفرصة فيه ! ! هكذا أدار المشركون الحديث حول هذه الآيات ، ووجدوا - حسب زعمهم - أن فيها فرصتهم ، للنيل من محمد ، وبضربته ضربة في الصميم من دعوته . . . إنها لسنوات معدودة ، « بضع سنين » تنحصر فيما بين ثلاث وعشر ،